Opening proposition

منذ الانتفاضة الثانية، لم تتغير حياة الفلسطينيين فقط؛ تغيّر أيضاً، بصورة أقل وضوحاً وأكثر خطورة، نظام القيمة داخل المجتمع الفلسطيني.

حين يُسأل الفلسطينيون عمّا فعلته الانتفاضة الثانية بمجتمعهم، تحضر الإجابات المعروفة سريعاً: القتل، والاعتقالات، والاجتياحات، والحواجز، وتدمير الاقتصاد، وتقطيع الجغرافيا، ثم الانقسام السياسي الذي جاء لاحقاً ليحوّل الشقوق إلى حدود شبه دائمة.

كل ذلك صحيح، لكنه لا يفسر وحده ما جرى.

فالتحولات الكبرى لا تترك آثارها في الأبنية والاقتصاد والمؤسسات السياسية فقط. إنها تدخل ببطء إلى الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم، وإلى معايير الاحترام والنجاح، وإلى صورة الإنسان الذي يستحق أن يُسمع له، وأن يُجلس في صدر المجلس، وأن يُقدَّم لأبناء المجتمع نموذجاً ينبغي الاقتراب منه.

والمقصود بنظام القيمة هنا ليس القيم التي يعلنها المجتمع عن نفسه، بل تلك التي يكشفها سلوكه الفعلي: من يحترم؟ من يخشى؟ من يقلد؟ من يزوّجه أبناءه؟ من يطلب وساطته؟ ومن يصدق روايته عن العالم؟

قد يستمر المجتمع في تمجيد العلم في خطاباته، وفي الاحتفاء بالأخلاق في المناسبات، وفي الإشادة بالتضحية والمساواة، لكنه يكشف عن قيمه الحقيقية في تفاصيل الحياة اليومية، لا في الكلمات التي يقولها عن نفسه.

وفي هذه التفاصيل، حدث انقلاب عميق.

حين توقف التعليم عن الوفاء بوعده

احتل التعليم تاريخياً موقعاً خاصاً في التجربة الفلسطينية.

لم يكن مجرد طريق إلى الوظيفة، بل كان إحدى الأدوات القليلة التي يستطيع بها الفلسطيني أن يتجاوز الفقر، أو ضعف المكانة العائلية، أو ضيق الجغرافيا. وكانت الأسرة التي لا تملك أرضاً واسعة ولا تجارة ولا نفوذاً تستطيع أن تراهن على تعليم أبنائها، وأن ترى في الشهادة شكلاً من أشكال الصعود والتحرر.

كان المعلم، والطبيب، والمحامي، والكاتب، والأستاذ الجامعي، يمتلكون مكانة لا تستند بالضرورة إلى الثروة. قد لا يكون أحدهم أغنى رجال البلدة، لكنه كان يمتلك ما هو أكثر أهمية داخل مجتمع يقدّر المعرفة: صوتاً مسموعاً، وثقة، وقدرة على التأثير، وموقعاً معنوياً لا يحتاج إلى سيارة فاخرة أو حساب مصرفي كبير كي يثبت وجوده.

هذا هو العقد الذي كان قائماً بين المعرفة والمكانة:

تعلّم، واجتهد، وثقّف نفسك، وسترتفع قيمتك داخل المجتمع.

لكن هذا العقد بدأ ينهار.

تضخمت أعداد الخريجين، وتراجعت فرص العمل، وانخفضت قيمة الرواتب، وتحولت الجامعة عند كثيرين من مساحة لتكوين العقل إلى محطة طويلة لا تضمن لصاحبها سوى لقب اجتماعي ووعد مؤجل بالاستقرار.

لم تعد المعرفة تنتج بالضرورة استقلالاً، ولم تعد الشهادة تمنح صاحبها القدرة على بناء حياة كريمة. وفي المقابل، ظهرت أمام المجتمع مسارات أخرى أكثر مباشرة للوصول إلى المال والمكانة.

صار الشاب يرى أن من ترك التعليم مبكراً وذهب إلى العمل قد يكون أقدر على بناء بيت وتأسيس أسرة من حامل الشهادة. ويرى أن صاحب العلاقة يستطيع دخول مؤسسة لا تفتح أبوابها للأكثر كفاءة. ويرى أن التاجر القادر على تحريك المال والسلع يملك تأثيراً يفوق تأثير الأستاذ والكاتب والباحث.

لا يعني هذا أن المجتمع توقف عن احترام التعليم في اللغة. ما زالت العائلات تحتفي بالتخرج، وتعلّق صور الأبناء، وتفاخر بالألقاب الجامعية.

لكنها في الوقت نفسه تتصرف كما لو كانت تعرف حقيقة أخرى:

الشهادة تمنحك اسماً، أما المال فيمنحك وزناً.

وهنا يبدأ التعليم بفقدان حجته أمام الجيل الجديد.

فالطفل لا يتعلم القيم مما يقوله الكبار فقط، بل من الطريقة التي يتصرفون بها. يلاحظ من يُستقبل بحرارة، ومن يُطلب رأيه، ومن يسعى الناس إلى مصاهرته، ومن تُحل مشكلاته بسرعة، ومن يستطيع أن يرفع صوته من دون أن يُقاطع.

وقد لا يحتاج إلى وقت طويل كي يفهم أن المجتمع الذي يطلب منه أن يتعلم، لا يكافئ المتعلم بالضرورة.

ثلاثة مسارات جديدة إلى المكانة

في المجتمع الفلسطيني الذي تشكل بعد الانتفاضة الثانية، برزت ثلاث فئات بصورة لافتة في إنتاج المكانة الاجتماعية الجديدة: المتنفذ، والتاجر الكبير، والعامل في السوق الإسرائيلية.

لا تتطابق هذه الفئات، ولا تتساوى أخلاقياً أو اقتصادياً، لكنها تمثل ثلاثة مسارات إلى القوة لا تمر بالضرورة عبر المعرفة والثقافة.

المتنفذ يملك الوصول.

لا تكمن قوته فيما يعرفه، بل فيمن يعرفه. يستطيع أن يسهّل وظيفة، أو يعطلها، وأن يفتح باباً إدارياً أو أمنياً، وأن يتوسط لدى المؤسسة، وأن يمنح الحماية أو يسحبها. في مجتمع ضعفت فيه القواعد العامة، يصبح الوصول إلى الشخص أهم من الوصول إلى القانون.

التاجر الكبير يملك حركة المال والسلع والعقود.

وفي اقتصاد مقيد يعتمد على الاستيراد والتوزيع والتصاريح والعلاقات، لا تأتي القوة دائماً من الإنتاج أو الابتكار، بل من السيطرة على البوابة التي تمر عبرها الموارد.

ثم يأتي العامل الفلسطيني، الذي لا ينبغي النظر إليه بوصفه صاحب امتياز، فهو يعيش في كثير من الأحيان تحت منظومة قاسية من الحواجز والتصاريح والإذلال وعدم الاستقرار. لكنه، في ميزان الدخل النقدي، قد يجد نفسه أقدر من المعلم أو الموظف أو الخريج الجامعي على بناء بيت وإعالة أسرة.

المشكلة ليست في أن هذه الفئات لا تستحق التقدير. العامل يتعب ويخاطر، والتاجر قد يخلق فرصاً حقيقية، وأي مجتمع يحتاج إلى الإدارة والاقتصاد والعمل.

المشكلة أن المجتمع فشل في الحفاظ على مسار موازٍ يمنح المعرفة والثقافة والمساهمة العامة قوة مادية ومكانة حقيقية.

لم يرتفع العامل فوق المثقف بقدر ما سقط المثقف تحت الجميع.

ولم يصبح التاجر أكثر تأثيراً لأنه يملك المال فقط، بل لأن المؤسسات الثقافية والتعليمية فقدت قدرتها على تحويل المعرفة إلى نفوذ مشروع.

من الذكاء إلى «تدبير الحال»

حين يتغير نظام المكافأة، يتغير معنى الذكاء نفسه.

لا يعود الذكي بالضرورة هو الأعمق معرفة، أو الأكثر قدرة على التحليل، أو الأكثر إنتاجاً. قد يصبح الذكي هو الذي يعرف كيف «يدبّر حاله»، وكيف يقترب من الشخص الصحيح، وكيف يحصل على الصفقة، وكيف يتجاوز القاعدة من دون أن يُعاقب.

تتحول الشطارة من قدرة على الفهم إلى قدرة على المناورة.

وهذا التحول ليس لغوياً فقط. إنه يعيد تشكيل طموحات الشباب، ويحدد نوع المهارات التي يعتقدون أن الحياة تكافئها.

إذا كان المجتمع يعاقب النزاهة حين تعيق المصلحة، ويسخر من المثقف العاجز عن تأمين دخله، ويحترم من يملك القدرة على الالتفاف، فسيبدأ أبناؤه في فهم الانتهازية بوصفها شكلاً من الذكاء، والوصول بوصفه بديلاً عن الكفاءة، والثراء بوصفه دليلاً على القيمة.

لا يصبح الفساد في هذه الحالة انحرافاً فردياً فقط، بل نموذجاً تعليمياً صامتاً.

حين حلت الشبكة محل المؤسسة

لم يكن تراجع قيمة التعليم منفصلاً عن تراجع المؤسسات التي كانت تربط الفرد بالمجتمع.

النقابات، والاتحادات الطلابية، واللجان الشعبية، والأطر الثقافية، والمبادرات المحلية، والعمل التطوعي، كلها كانت، بدرجات متفاوتة، مساحات يتعلم فيها الفرد أن القوة يمكن أن تُبنى جماعياً.

لكن المجتمع الذي خرج من الانتفاضة الثانية كان أكثر تجزؤاً، وأكثر اعتماداً على الراتب، وأكثر ارتباطاً بالمؤسسات العمودية.

أصبح الفرد يحتاج إلى جهة توظفه، أو مسؤول يحميه، أو مؤسسة تموله، أو عائلة تسنده، أو صديق يختصر له الطريق.

ولم يعد السؤال المتداول:

كيف ننظم أنفسنا لحل المشكلة؟

بل أصبح:

من نعرف كي يحلها لنا؟

وحين تضعف المؤسسة، لا يبقى المجتمع فارغاً من السلطة. تحل مكانها العائلة، والحمولة، والعلاقة الشخصية، والولاء السياسي، وشبكات المصالح.

يصبح المجتمع متماسكاً جداً داخل الدوائر الصغيرة، لكنه ضعيفاً على المستوى العام.

تزداد الثقة بالقريب، وتنخفض الثقة بالقانون. يُحمى ابن العائلة لأنه ابن العائلة، لا لأنه صاحب حق. ويُترك من لا يملك شبكة يواجه المؤسسة وحيداً.

وهكذا تتحول المواطنة من علاقة متساوية إلى مهارة في العثور على الوسيط المناسب.

صعود الشرعية الدينية

إلى جانب المال والنفوذ، صعد مصدر ثالث للمكانة: التدين الاجتماعي.

ينبغي قول ذلك بحذر، لا لأن الموضوع محرّم، بل لأن اختزاله في عبارات من نوع «الدين سبب التخلف» لا ينتج سوى تحليل كسول وعداء مجاني.

الإيمان الديني كان، وما زال، مصدراً حقيقياً للمعنى والقوة النفسية والتكافل لدى الفلسطينيين. وفي مجتمع يعيش الفقد والخوف وعدم اليقين، لا يمكن تجاهل الدور الذي يؤديه الدين في مساعدة الناس على احتمال ما يصعب احتماله.

لكن المشكلة لا تبدأ عند ازدياد الإيمان، بل عندما يتحول التدين من تجربة روحية وأخلاقية إلى نظام اجتماعي يمنح الشرعية ويسحبها.

لقد ترافق ما بعد الانتفاضة الثانية مع تراجع واضح في شرعية كثير من النخب السياسية والثقافية، ومع ضعف اليسار، وانكشاف عجز مشروع التسوية، وصعود الحركات الإسلامية بوصفها أكثر تنظيماً وحضوراً في المقاومة والعمل الخيري والاجتماعي.

لم ينتصر الخطاب الديني لأنه كان أكثر إقناعاً بالضرورة، بل أيضاً لأن البدائل الأخرى كانت تفقد صدقيتها.

ومع الوقت، أصبح المظهر الديني جزءاً من رأس المال الاجتماعي.

قد يُفترض أن الرجل المتدين أكثر أمانة، وأن العائلة المحافظة أفضل تربية، وأن المرأة المحجبة أكثر احتراماً، وأن صاحب الخطاب الديني أرفع أخلاقاً، قبل النظر فعلياً إلى السلوك.

وهنا يحدث الخلط بين التدين والأخلاق.

الأخلاق تُقاس بالعدل والصدق والنزاهة واحترام الضعيف وتحمل المسؤولية. أما المظهر، فيمكن أن يحفظ للإنسان صورة أخلاقية حتى حين تتناقض أفعاله معها.

قد يستغل التاجر عماله، أو يستفيد المتنفذ من موقعه، ثم يعيد إنتاج شرعيته من خلال التبرع والعمل الخيري والخطاب الديني. وقد يتحول بناء المسجد أو تمويل المساعدة إلى ستار يمنع المجتمع من طرح السؤال الأصعب: كيف تكوّنت الثروة؟ ومن دفع ثمنها؟

في هذه اللحظة، لا يعود التدين مكوّناً أخلاقياً فحسب، بل يصبح أحياناً وسيلة لإنتاج الحصانة.

عندما يمتلك الواعظ تفسير العالم

مع تراجع مكانة المثقف، لم تنتقل سلطة تفسير العالم إلى صاحب المال فقط، بل إلى صاحب اليقين أيضاً.

المثقف الجاد لا يقدم إجابات مريحة دائماً. يطرح الأسئلة، ويكشف التناقضات، ويعترف بالتعقيد، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام الاحتمال والخطأ.

أما الواعظ، فيستطيع أن يقدم إجابة نهائية ومتماسكة:

  • نحن نُهزم لأننا ابتعدنا عن الدين.
  • المجتمع فسد لأن الأخلاق تراجعت.
  • النصر سيأتي عندما نصبح أكثر التزاماً.

قد تحمل هذه اللغة معنى روحياً مشروعاً، لكنها تصبح خطرة حين تتحول إلى بديل عن التحليل السياسي والاجتماعي.

عندها لا يُسأل السياسي عن فشله، ولا المؤسسة عن فسادها، ولا التنظيم عن خياراته، بل يُقال للمجتمع إن مشكلته تكمن في لباس نسائه، أو سلوك شبابه، أو ضعف عبادته.

تتحول الأزمة السياسية إلى ذنب أخلاقي شعبي.

ويصبح من الأسهل مطالبة الناس بأن يصلحوا أنفسهم من مطالبة القيادة بأن تبرر قراراتها.

المرأة بوصفها حدود المجتمع

في المجتمعات التي تفقد السيطرة على المجال العام، تزداد الرغبة في السيطرة على المجال الخاص.

الرجل الذي لا يستطيع حماية أرضه من المصادرة، أو منع الاقتحام، أو ضمان عمله، أو التحكم في مستقبله، قد يحاول تعويض هذا العجز داخل الأسرة.

فيصبح لباس أخته، وخروج ابنته، وسلوك زوجته، وعلاقات نساء العائلة، ساحات يثبت من خلالها أنه ما زال يملك شيئاً من السلطة.

وهكذا يتحول جسد المرأة إلى حدود رمزية للمجتمع.

يُطلب منها أن تثبت أن الجماعة لم تتفكك، ولم تتغرب، ولم تفقد هويتها. وتصبح صورتها العامة دليلاً على شرف العائلة وتماسكها وانتمائها.

المشكلة ليست في الحجاب أو المحافظة بوصفهما خيارين شخصيين. المشكلة حين لا يعود الخيار حراً بصورة متساوية، وحين يصبح أحد أشكال الظهور شرطاً ضمنياً للاحترام، بينما يضع الشكل الآخر المرأة وعائلتها تحت المراقبة والشك.

تدفع المرأة، في هذه الحالة، ثمن أزمة لم تصنعها وحدها، وتحمل على جسدها عبء الحفاظ على صورة مجتمع كامل.

مجتمع محافظ في الصورة، مضطرب في الداخل

المعايير الاجتماعية الصارمة لا تنتج دائماً سلوكاً أكثر أخلاقاً.

قد تنتج قدرة أكبر على الإخفاء.

حين ترتفع تكلفة الصراحة، يتعلم الأفراد كيف يعيشون حيوات مزدوجة: ما يقال أمام العائلة، وما يُمارس خارجها؛ الحساب العلني والحساب السري؛ الصورة العامة والرغبة الخاصة.

تصبح الفضيلة في بعض الأحيان ألا يراك أحد، لا ألا تفعل الخطأ.

ويتحول المجتمع إلى مساحة واسعة من الرقابة المتبادلة، حيث ينشغل الناس بصورة بعضهم أكثر من انشغالهم بالحقوق والعدالة والنزاهة.

كلما تضخمت سلطة السمعة، تقلصت مساحة الصدق.

هوية أكثر ضيقاً

كانت الهوية الفلسطينية، رغم تناقضاتها، قادرة على جمع المسلم والمسيحي، والمتدين والعلماني، واليساري والقومي والإسلامي، والمحجبة وغير المحجبة، في إطار وطني أوسع.

لكن حين تصبح اللغة الوطنية نفسها أكثر تديناً، يبدأ نموذج واحد من الفلسطينيين بالتحول إلى معيار ضمني تُقاس عليه فلسطينية الآخرين.

تُعرّف الأرض باعتبارها ملكية دينية قبل أن تكون وطناً وذاكرة وحقاً سياسياً. ويُعاد تعريف الشهيد والمقاومة والقضية كلها داخل لغة لا يشعر كل الفلسطينيين بأنها تمثلهم بالقدر نفسه.

لا يجري طرد المختلفين بالضرورة، لكنهم يجدون أنفسهم مضطرين إلى ترجمة انتمائهم الوطني إلى لغة دينية كي يصبح مقبولاً.

ويتحول المسيحي، أو العلماني، أو الفنان، أو الشاب المتشكك، أو المرأة المختلفة عن النموذج المحافظ، إلى فلسطيني يحتاج إلى إثبات فلسطينيته باستمرار.

وحين تضيق الهوية، لا تصبح أكثر قوة، بل أقل قدرة على جمع المجتمع.

من التضامن إلى الصدقة

أدت المؤسسات الخيرية والدينية دوراً حقيقياً في حماية آلاف الأسر، ولا يجوز التعامل مع هذا الدور باستخفاف.

لكن هناك فرقاً بين التضامن والصدقة.

التضامن ينظر إلى الفقير بوصفه صاحب حق وشريكاً في تغيير الواقع. أما الصدقة، فقد تراه محتاجاً يتلقى مساعدة من صاحب قدرة.

في الحالة الأولى، نسأل: لماذا أنتج النظام هذا الفقر، وكيف يمكن تغييره؟

وفي الثانية، نكتفي بتخفيف آثاره.

تمنع المساعدة الجوع، لكنها لا تزيل البنية التي صنعته. وقد تحول الفقير، مع الوقت، من مواطن يطالب بحقه إلى مستفيد ينتظر دور المؤسسة أو الجمعية أو المحسن.

وهكذا يُدار الفقر أخلاقياً بدلاً من مواجهته سياسياً.

أربع سلطات ومثقف بلا قوة

إذا أردنا تلخيص مراكز المكانة التي صعدت بعد الانتفاضة الثانية، يمكن القول إن المجتمع بدأ يدور حول أربع سلطات:

  • المتنفذ يملك الوصول.
  • التاجر يملك المال.
  • العامل يملك الدخل النقدي.
  • المتدين اجتماعياً يملك الشرعية الأخلاقية.

أما المثقف، والمعلم، والباحث، والفنان، وصاحب المشروع المجتمعي، فقد لا يملك شيئاً من ذلك.

لا يملك العلاقة التي تفتح الباب، ولا المال الذي يفرض الحضور، ولا الدخل الذي يثبت النجاح، ولا المظهر الذي يمنح الحصانة الأخلاقية.

لهذا لم تتراجع الثقافة وحدها. تراجع النموذج الإنساني الذي كانت الثقافة تمثله.

وحين يفقد صاحب المعرفة مكانته، لا تختفي الكتب فقط. تنتقل مهمة تفسير العالم إلى من يملك المنبر أو المال أو النفوذ.

يصبح صاحب الثروة قادراً على تعريف النجاح، والمتنفذ قادراً على تعريف الممكن، والواعظ قادراً على تعريف الأخلاق.

أما المثقف، فيُترك له أن يفسر ما حدث بعد أن يكون الآخرون قد صنعوه.

الفلسطيني الذي يشعر جماعياً ويعيش فردياً

رغم كل ذلك، لم يصبح الفلسطيني أقل انتماء إلى قضيته.

ما زالت الأحداث الكبرى توقظ إحساساً جماعياً مدهشاً. يستطيع الفلسطيني أن يشعر بأن ما يحدث في مدينة أو مخيم بعيد عنه يمسه شخصياً، وأن يتفاعل مع القدس أو غزة أو جنين كما لو كان الحدث يقع في بيته.

لكن حياته اليومية تدفعه في الاتجاه المعاكس.

هو مرتبط براتب، والراتب مرتبط بمؤسسة، والمؤسسة مرتبطة بعلاقة سياسية. عليه قرض، وعائلة، والتزامات، ومخاوف. ويعرف أن أي مخاطرة لا يدفع ثمنها وحده، بل قد تدفعها أسرته كلها.

وهكذا تشكلت إحدى أكثر مفارقات المجتمع الفلسطيني قسوة:

  • يشعر الفلسطيني جماعياً، لكنه يُجبر على أن يعيش فردياً.
  • يحمل قضية عامة، لكنه يدير نجاته عبر شبكة خاصة.
  • يؤمن بالمجتمع، لكنه لا يثق بالمؤسسة.
  • يمدح التعليم، لكنه يطارد الدخل.
  • يتحدث عن الأخلاق، لكنه يقيسها بالمظهر.
  • يغضب من الظلم، لكنه يحتاج إلى واسطة كي يحصل على حقه.

ما الذي ينبغي استعادته؟

لا تحتاج فلسطين إلى حرب على الدين، أو المال، أو العائلة، أو التجارة.

تحتاج إلى إعادة التوازن بين هذه القوى وبين المعرفة والقانون والمؤسسة والحرية.

نحتاج إلى مجتمع يحترم العامل من دون أن يهين المعلم، ويشجع التجارة من دون أن يجعل الثروة دليلاً على القيمة، ويحمي العائلة من دون أن يسمح لها بأن تحل محل القانون.

نحتاج إلى مجتمع لا يحتكر فيه المتدين الأخلاق، ولا يحتاج فيه غير المتدين إلى الدفاع عن إنسانيته، ولا تُقاس فيه المرأة بمدى امتثالها للصورة التي يرسمها الآخرون لها.

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمكانة.

ليس من خلال الاحتفال الرمزي بالثقافة، ولا عبر وضع صورة المعلم في المناسبات، بل بمنح أصحاب المعرفة قدرة فعلية على العيش والتأثير وصناعة المؤسسات.

فالمجتمع لا ينهار فقط حين يفقد أرضه أو اقتصاده أو سلطته السياسية.

قد ينهار أيضاً حين يفقد القدرة على التمييز بين من يملك الثروة ومن يملك القيمة، وبين من يبدو أخلاقياً ومن يتصرف بأخلاق، وبين من يملك النفوذ ومن يستحق التأثير.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: ما القيم التي يؤمن بها المجتمع الفلسطيني؟

بل:

أي نوع من البشر يكافئه؟

لأن المجتمع، في النهاية، لا يصبح ما يقوله عن نفسه، بل يصبح صورة الأشخاص الذين يمنحهم المكانة، ويضعهم في صدر المجلس، ويطلب من أبنائه أن يشبهوهم.

ثلاثة مسارات للمكانة في المجتمع الفلسطيني: النفوذ والشبكات، التجارة وتدفق المال، والعمل المرتبط بسوق العمل الإسرائيلي
ثلاثة مسارات جديدة إلى المكانة حين يتراجع التعليم وتتقدم شبكات المال والوصول.

Carry the question forward

أي نوع من البشر يكافئه المجتمع الفلسطيني؟

The discussion below is designed for considered responses. Name the evidence or lived context your answer depends on.